الشيخ محمد رشيد رضا
71
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المعنى ، فإذا لا يمكن ان يكون طعم في القرآن بمعنى الشرب مطلقا ، ولا يجوز ان يفيد هذا المعنى إلا بالتبع لمعنى الاكل تغليبا له ، فيجعل « طعموا » هنا بمعنى أكلوا الميسر وشربوا الخمر . كتغليب الاكل في كل استعمال في مثل النهي عن أكل أموال اليتامى وعن أكل أموال الناس بالباطل . ولم أر أحدا هدي إلى هذا الايضاح بهذا التدقيق والجناح ما فيه مشقة أو مؤاخذة . أنشد ابن الاعرابي : ولا قيت من جمل وأسباب حبها * جناح الذي لاقيت من تربها قبل وقال ابن حلّزة : أعلينا جناح كندة أن يغ * نم غازيهم ومنا الجزاء ويفسرونه غالبا بالإثم وهو ما فيه الضرر ، والضرر يكون دينيا ودنيويا ، ولم يستعمل في القرآن الا في حيز النفي بمعنى رفع الحرج والمؤاخذة ومعنى الآية على رأي الجمهور « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » من الاحياء والميتين ، والشاهدين والغائبين « جُناحٌ » إثم ولا مؤاخذة « فِيما طَعِمُوا » اكلوا من الميسر أو شربوا من الخمر فيما مضى قبل تحريمهما - ولا في غير ذلك مما لم يكن محرما ثم حرم « إِذا مَا اتَّقَوْا » أي إذا هم اتقوا في ذلك العهد ما كان محرما عليهم - ومنه الاسراف في الاكل والشرب من المباح « وَآمَنُوا » بما كان قد نزله اللّه تعالى « وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » التي كانت قد شرعت كالصلاة والصيام والجهاد « ثُمَّ اتَّقَوْا » ما حرمه اللّه تعالى بعد ذلك عند العلم به « وَآمَنُوا » بما نزل فيه وفي غيره - كما قال ( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) وكما قال ( وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً ) « وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » التي هي من لوازم الايمان ، « ثُمَّ اتَّقَوْا » أي ارتقوا عن ذلك فاتقوا الشبهات تورعا وابتعادا عن الحرام ، « وَأَحْسَنُوا » أعمالهم الصالحات بان أتوا بها على وجه الكمال ، وتمموا نقصها بنوافل الطاعات « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » فلا يبقى في قلوبهم أثرا من الآثار السيئة التي وصف بها الخمر والميسر من الايقاع في العداوة والبغضاء والصد عن ذكر